وأوصي نفسي، وأنا متوجه إلى حج بيت الله الحرام، بما قرره أهل العلم وأهل السلوك من آداب السفر إلى الله، فأبدأ قبل سفري بردّ المظالم، وقضاء الديون، وردّ الودائع، وإبراء الذمة من حقوق العباد ما استطعت، فإن السفر إلى بيت الله لا يليق أن يكون والعبد مثقل الظهر بحقوق الخلق.
وأوصي أن يُنظر في مالي وذمتي، فمن كان له عندي دين أو أمانة أو حق ثابت، فليُؤدَّ إليه حقه قبل تنفيذ الوصايا وقبل قسمة الميراث. ومن كان له حق لا يعلمه أهلي، فأرجو أن يبيّنه، وأوصي وصيي أن يتحرى العدل والصدق في ذلك.
وأوصي أن تُحفظ نفقة من تلزمني نفقتهم، وألا يُضيّع أهلي ومن أعولهم بسبب سفري أو موتي، فإن حقهم واجب، والحج لا يكون بتضييع الواجبات.
وأوصي أن تكون نفقتي في الحج من الحلال الطيب، وأن يُنقّى مالي من الشبهة ما أمكن، وأن تُخرج الزكاة الواجبة، والكفارات، والنذور، وما ثبت في ذمتي من حقوق الله تعالى.
وأوصي نفسي في هذا السفر بطيب الكلام، وإطعام الطعام، وخدمة الرفقة، واحتمال المشقة، وكظم الغيظ، وترك الخصومة والمراء، فإن السفر يكشف خبايا النفس، والحج مقام تهذيب وتوبة لا مقام غضب ومنافسة.
وأوصي أهلي وأحبتي أن يودعوني بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك. وأن يدعوا لي: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما كنت.
وأشهد الله أني أستودعه ديني، وأمانتي، وخواتيم عملي، وأهلي، وولدي، ومالي، وما خلفت وراءي، فهو خير حافظًا وهو أرحم الراحمين.
وأوصي نفسي أن أخرج إلى الحج تائبًا من كل ذنب، سليم القلب للمسلمين، لا أنوي ظلم أحد، ولا أحمل حقدًا على أحد، ولا أعزم على معصية إن رجعت، بل أعزم على أن يكون رجوعي من الحج رجوعًا إلى الله في حياتي كلها.
فإن ردني الله سالمًا، فأسأله أن يردني عبدًا جديدًا بقلب جديد. وإن قبضني في سفري، فأسأله أن يقبضني موحدًا تائبًا، بريء الذمة من حقوق عباده ما استطعت، وأن يجعل آخر كلامي من الدنيا: لا إله إلا الله محمد رسول الله.